شعار مدونة NPSAI
بانر الموقع - خلفية تعليمية
لوجو المدير التنفيذي

مقالات نبساي

بوصلة الشغف: كيف يكشف الذكاء الاصطناعي عن خُلفاء العطاء الجدد؟

2
2

بوصلة الشغف: كيف يكشف الذكاء الاصطناعي عن خُلفاء العطاء الجدد؟

في رحاب العمل غير الربحي، حيث تُنسج قصص الأثر بخيوط الكرم وتُروى بسخاء الأيادي البيضاء، طالما كان البحث عن شركاء الدرب، أولئك الممولين الذين يؤمنون بالرسالة ويدعمون المسيرة، أشبه بالبحث عن اللآلئ في محيطٍ شاسع. لقد اعتدنا أن نبحر بسفننا التقليدية، حاملين خرائط ترسم السواحل الظاهرة للثراء، فنلقي شباكنا الواسعة على قوائم الأسماء المعلنة، ونرسل نداءاتنا إلى كل من نظن فيه القدرة على العطاء، نأمل أن يعلق في شباكنا صيدٌ ثمين. لكن كم من جهدٍ ضاع في هذا البحر، وكم من نداءٍ تلاشى صداه دون جواب؟ إنها رحلةٌ محفوفةٌ بالاحتمالات، تعتمد على الحظ أكثر مما تعتمد على اليقين، وتُهدر فيها أثمن الموارد: الوقت والثقة.

اليوم، وفي خضم التحولات الكبرى التي تشهدها مملكتنا الحبيبة، ومع بزوغ فجر رؤيةٍ طموحة تهدف إلى قطاعٍ غير ربحيٍ مزدهر ومستدام، لم يعد مقبولاً أن نبحر بلا بوصلة دقيقة. من هنا، يأتي برنامج "نبساي الثاني" ليسلّط ضوءاً كاشفاً على هذه القضية الجوهرية، مقدماً في مساره لتنمية الموارد المالية ورشة عملٍ بمثابة ثورةٍ في فكر العطاء، ورشةً لا تعلمنا كيف نصطاد، بل كيف نرى ما تحت الماء، كيف نفهم تيارات المحيط الخفية، وكيف نحدد بدقةٍ متناهية أماكن وجود أثمن اللآلئ. إنها ورشة "تحديد الشركاء والممولين المحتملين"، تلك التي تنقلنا من عالم البحث عن "القدرة" على العطاء إلى فن اكتشاف "الرغبة" الصادقة فيه.

ما وراء الثراء: فك شفرة النفس البشرية

إن الخطأ الجوهري الذي وقعنا فيه طويلاً هو افتراضنا أن الثروة هي المحرك الأول للبذل. لقد طرقنا أبواب القصور، ونسينا أن مفتاح العطاء الحقيقي لا يكمن في الخزائن، بل يختبئ في أعماق القلوب. فالإنسان لا يبذل ماله إلا لشيء يلامس شغفه، أو يحقق قيمةً يؤمن بها، أو يروي قصةً شخصيةً عاشها. قد يتبرع رجل أعمالٍ لمستشفى سرطان الأطفال لأنه فقد عزيزاً بهذا المرض، وقد تدعم سيدة أعمالٍ برامج تعليم الفتيات لأنها تؤمن بأن العلم هو سبيل التمكين. هذه الدوافع الخفية، هذه "البصمة الروحية" لكل فرد، هي الينبوع الحقيقي الذي يتدفق منه العطاء المستدام.

هنا، تقدم الورشة مدخلاً مذهلاً مستلهماً من أروقة هارفارد، وهو "سيكولوجيا العطاء". وتمنحنا المفتاح لفك هذه الشفرة المعقدة: الذكاء الاصطناعي. ففي هذا العصر الرقمي، يترك كلٌ منا أثراً يعبر عن اهتماماته وقيمه. المقالات التي نقرأها، الشخصيات التي نتابعها، القضايا التي نتفاعل معها، عضوياتنا في مجالس الإدارة، تبرعاتنا السابقة المعلنة؛ كل هذه ليست مجرد بياناتٍ متناثرة، بل هي حروفٌ في كتاب شخصيتنا المفتوح. يقوم الذكاء الاصطناعي بدور "عالم النفس الرقمي"، فيقرأ هذه الحروف، ويحلل اللغة، ويربط بين النقاط المتباعدة، لا ليتجسس على الخصوصيات، بل ليرسم لنا خريطةً دقيقة لشغف الإنسان، ليفهم ما الذي يحرك قلبه، وما القضية التي قد يكرس لها ثروته وجهده.

أكثر شبهاً بنجومنا: علم الاستنساخ الرقمي للخير

تأخذنا الورشة بعد ذلك إلى مفهومٍ عبقري مستوحى من MIT، يمكن أن نطلق عليه "علم الاستنساخ الرقمي للخير". انظر إلى قائمة أفضل وأخلص داعميك الحاليين، أولئك "النجوم" الذين لم يكتفوا بالتبرع مرة واحدة، بل تحولوا إلى شركاء دائمين في الأثر. هؤلاء ليسوا مجرد مانحين، بل هم نموذجٌ مثالي، هم "الحمض النووي" للشريك الذي تحلم به. ماذا لو استطعنا أن نجد في مجتمعنا ألف شخصٍ آخر يشاركهم نفس هذا الحمض النووي؟

هذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي عبر تقنية "نماذج التشابه" (Look-alike Models). أنت تقدم للنظام الذكي بيانات هؤلاء النجوم (مع الحفاظ الكامل على الخصوصية والبيانات العامة فقط)، فيقوم هو بمسحٍ شاملٍ لقواعد البيانات المتاحة، باحثاً عن آلاف الأفراد الآخرين الذين يشاركونهم نفس السمات، نفس الاهتمامات المهنية، نفس الأنشطة المجتمعية، نفس البصمة الرقمية. إنه لا يبحث عن أشباههم في الثروة، بل عن أقرانهم في الشغف. فبدلاً من أن تبدأ رحلتك في محيطٍ لا حدود له، يمنحك الذكاء الاصطناعي خريطة كنزٍ دقيقة، تقودك مباشرةً إلى الأرخبيل الذي يسكنه شركاؤك المحتملون.

بوصلة التقارب: من القوائم الباردة إلى الحوارات الدافئة

إن النتيجة النهائية لهذه العملية التحليلية المعقدة هي أداةٌ بسيطةٌ وقويةٌ في آنٍ واحد: "مقياس درجة التقارب" (Affinity Score). لكل فردٍ في قائمة الممولين المحتملين، يقوم الذكاء الاصطناعي بإعطائه درجةً رقمية، هذه الدرجة لا تمثل ثروته، بل تمثل مدى توافقه القيمي والوجداني مع رسالة منظمتك. فمن يحصل على درجة 95% هو شخصٌ تكاد تكون متيقناً أنه إذا سمع بقصتك، فسيقع في حبها.

هذا المقياس يغير قواعد اللعبة تماماً. فبدلاً من إضاعة 80% من وقت فريقك في طرق أبوابٍ لن تُفتح، يمكنك الآن تركيز 100% من جهودك على بناء علاقاتٍ مع أولئك الذين ينتظرون نداءك. والأجمل من ذلك، أن الذكاء الاصطناعي لا يمنحك مجرد اسمٍ ورقم، بل يمنحك "مفتاح الحوار". يخبرك بأن هذا الشخص هو عضوٌ في جمعية بيئية، وذلك يعني أن مدخل الحديث معه يجب أن يكون حول مشروعكم للتشجير. ويخبرك بأن تلك السيدة تدعم بقوةٍ برامج ريادة الأعمال، وهذا يعني أن أفضل ما تعرضه عليها هو برنامجكم لتمكين الأسر المنتجة. إنه يحول "الاتصال البارد" المحرج إلى "حوارٍ دافئ" وذي معنى، مبنيٍ على أرضيةٍ صلبة من الاهتمامات المشتركة.

وهذا بدوره، يعيد تعريف دور مسؤول تنمية الموارد المالية. فهو لم يعد "بائعاً" يحاول إقناع الآخرين بمنتجه، بل أصبح "وسيط علاقاتٍ" رفيع المستوى، خبيراً في بناء الجسور بين شغف أهل الخير وفرص صناعة الأثر. إنه لا يطلب المال، بل يعرض على الشريك المحتمل فرصةً لتحقيق ذاته، وترك إرثٍ خالد في مجالٍ هو الأكثر شغفاً به.

في ختام هذه الرحلة المعرفية، ندرك أن ورشة "نبساي" لا تقدم لنا أداةً سحرية، بل تقدم لنا فكراً جديداً ومنهجيةً علمية لبناء مجتمعٍ من الشركاء، لا حشداً من المتبرعين. إنها دعوةٌ لنحترم عقول وقلوب أهل العطاء، فنتوجه إليهم بلغةٍ يفهمونها، ونعرض عليهم ما يلامس أرواحهم. إنها خارطة الطريق لبناء علاقاتٍ مستدامة، وتحويل العمل الخيري من فعلٍ موسميٍ عابر إلى شراكةٍ استراتيجيةٍ راسخة، تضمن لواحات الخير في مملكتنا أن تظل عامرةً بالثمار، تروي قصة وطنٍ يتكافل أبناؤه لبناء مستقبلٍ لا يترك أحداً خلف الركب.