شعار مدونة NPSAI
بانر الموقع - خلفية تعليمية
لوجو المدير التنفيذي

مقالات نبساي

هندسة الينابيع: كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم خرائط العطاء في القطاع غير الربحي

1
1

هندسة الينابيع: كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم خرائط العطاء في القطاع غير الربحي

في قلب كل مجتمع نابض، تقف المنظمات غير الربحية كواحاتٍ خضراء في صحراء الحاجة، أغصانها وارفة الظلال، وثمارها أثرٌ طيبٌ يمتد ليلامس حياة الآلاف. لقد ارتوت هذه الواحات على مر العصور من سحائب الخير التي يجود بها المحسنون، فكانت تنتظر غيث العطاء الموسمي كما تنتظر الأرض القاحلة مطر السماء، في دورةٍ من الأمل والترقب، دورةٌ وإن كانت تحمل في طياتها بركة اللحظة، إلا أنها تظل محفوفةً بقلق المستقبل وتقلبات الأنواء. لكن، ماذا لو أن حكمة اليوم لم تعد تكمن في انتظار الغيث، بل في امتلاك المعرفة لهندسة الينابيع الجوفية؟ ماذا لو أصبح بإمكاننا، بدلاً من رفع الأكف إلى السماء فقط، أن نغوص في أعماق الأرض لنكتشف أنهار العطاء الخفية ونفجّرها استدامةً ونماءً؟

من هذا المنطلق الفلسفي العميق، ومن رحم التحولات التي تشهدها مملكتنا الطموحة، يأتي برنامج "نبساي الثاني" ليقدم ضمن مساره المخصص لتنمية الموارد المالية، ورشة عملٍ لا تشبه غيرها، ورشةً تتجاوز الحديث عن أساليب جمع التبرعات التقليدية لتقدم رؤيةً جديدةً كلياً، رؤيةً يمكن أن نطلق عليها "علم استدامة الأثر". إنها دعوةٌ صريحةٌ للعاملين في هذا القطاع النبيل للانتقال من دور "الساقي" الذي يوزع ما يتوفر لديه من ماء، إلى دور "الخبير الجيولوجي" الذي يمتلك الأدوات والخرائط لاكتشاف مكامن المياه الجوفية، وشريكه في هذه الرحلة ليس إلا الذكاء الاصطناعي، ذلك العقل الرقمي الذي يرى ما لا تراه الأعين، ويسمع ما لا تسمعه الآذان.

سراب الحملات الموسمية: إرهاق البئر لا ارتواؤه

لنكن صرحاء مع أنفسنا، لقد بُني جزءٌ كبيرٌ من استراتيجياتنا التنموية على نموذج "البئر الموسمي". نركز جهودنا وطاقاتنا في مواسم الخير كشهر رمضان المبارك، فنحفر بئراً عميقاً، ونستخرج منه ما نستطيع، ثم ننتظر عاماً كاملاً ليعود الموسم ونكرر العملية ذاتها. هذا النموذج، على الرغم من نبله وفعاليته الآنية، إلا أنه يخلق حالة من الإرهاق المزدوج: "إرهاق المانح" الذي يتعرض لوابلٍ من الرسائل المتشابهة في فترةٍ زمنيةٍ قصيرة، و"إرهاق المنظمة" التي تعيش في دورةٍ من القلق المالي، فتارةً في فيضٍ من الموارد، وتارةً في جفافٍ يهدد استمرارية مشاريعها.

تُشبه هذه الحملات التقليدية عملية نثر البذور من على ظهر راحلةٍ تسير في البيداء، نأمل أن تسقط بعض الحبات على أرضٍ خصبة فتنبت، بينما يضيع معظمها في مهب الريح. إنه أسلوبٌ يعتمد على الصدفة أكثر من اعتماده على العلم، وعلى العمومية أكثر من اعتماده على الخصوصية. نخاطب الجميع برسالةٍ واحدة، متناسين أن العطاء ليس فعلاً مجرداً، بل هو علاقةٌ إنسانيةٌ عميقة، علاقةٌ لها دوافعها، وشغفها، وقصتها الفريدة. وهنا يكمن الداء، فالعلاقة التي لا تُبنى على فهمٍ عميق، مصيرها الذبول، والبئر الذي يُستنزف دون تغذية، مصيره الجفاف.

الجيولوجيا الرقمية: رسم خرائط المياه الجوفية للبيانات

تقدم الورشة طرحاً إن أغلى ما تملكه منظماتنا اليوم ليس أرصدتها البنكية، بل تلك البيانات المبعثرة في سجلاتها، والتي تبدو في ظاهرها أرقاماً صماء. أسماء المانحين، تواريخ تبرعاتهم، قيمها، المشاريع التي تفاعلوا معها، الرسائل التي فتحوها، الفعاليات التي حضروها. هذه ليست مجرد بيانات، بل هي "بصمات أثر"، هي خريطةٌ جيولوجيةٌ تكشف عن طبقات الأرض الخفية، وعن الأنهار الجوفية التي تجري تحت أقدامنا ونحن لا نعلم.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي، لا كأداةٍ حاسوبية، بل كـ "جيولوجي رقمي" فائق المهارة. هو لا يرى "فلان تبرع بألف ريال"، بل يرى نمطاً متكاملاً: "فلان، مهندسٌ في الأربعين من عمره، يتبرع بمبالغ متوسطة ثلاث مراتٍ سنوياً، تزداد تبرعاته بنسبة 20% عندما تتعلق الحملة بكفالة الأيتام التعليمية، ويتفاعل بشكلٍ أكبر مع رسائل البريد الإلكتروني التي تحتوي على قصصٍ مصورة". هذا المستوى من التحليل كان يتطلب فريقاً كاملاً من المحللين وأسابيع من العمل، أما اليوم، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم هذه البصيرة النافذة في دقائق معدودة.

هذا العلم الجديد، "علم العطاء التنبؤي" (Predictive Philanthropy)، هو القدرة على التنبؤ بإذن الله، بمن هو على وشك العطاء، ومتى، ولماذا. هو القدرة على تحديد المانح الذي بدأ يبتعد بصمت، لنعيد وصل حبال الود معه قبل أن ينقطع. هو القدرة على اكتشاف شريحةٍ جديدةٍ من الشركاء المحتملين في مجتمعنا، أفراداً ومؤسسات، تتوافق قيمهم مع رسالتنا، لكننا لم نكن نملك بوصلةً للوصول إليهم.

فن الري الدقيق: من الخطاب العام إلى الحوار الخاص

إن اكتشاف المياه الجوفية لا يكفي، فالحكمة تكمن في إيصالها إلى كل نبتةٍ بالقدر الذي تحتاجه بالضبط. وهذا هو جوهر "التخصيص الفائق" (Hyper-Personalization) الذي تطرحه الورشة. لقد ولى زمن الرسائل الجماعية التي تبدأ بـ "عزيزي المحسن/عزيزتي المحسنة". المستقبل يكمن في بناء حوارٍ شخصيٍ عميق مع كل شريكٍ في الأثر.

تخيل معي هذا المشهد: بدلاً من إرسال رسالةٍ عامةٍ عن مشروع بناء مسجد، يقوم النظام الذكي بتحليل البيانات وتحديد مجموعة من المانحين الذين سبق لهم دعم مشاريع تعليمية. ثم يقوم النظام بصياغة رسالةٍ مخصصة لهم: "شركاءنا في بناء العقول، كما ساهمتم معنا في بناء فصول دراسية العام الماضي، ندعوكم اليوم لاستكمال الأثر ببناء مكتبةٍ علميةٍ ملحقةٍ بالمسجد الذي ننشئه في حي... لتكون منارة علمٍ وإيمان". وفي نفس الوقت، يحدد النظام مجموعة أخرى شغوفة بقضايا سقيا الماء، فيرسل لهم رسالةً مختلفة: "يا من رويتم ظمأ العابرين، ندعوكم اليوم لترووا أرواح المصلين بتوفير برادات مياه متطورة في المسجد الجديد".

إنه الانتقال من الصيد بشبكةٍ واسعة إلى الصيد بسنارةٍ دقيقة، وهو ما لا يزيد من فعالية الحملات فحسب، بل يحول المانح من مجرد رقمٍ في حسابٍ بنكي إلى شريكٍ حقيقيٍ يشعر بقيمة مساهمته، ويرى أثرها مجسداً في قصةٍ تلامس شغفه وقيمه.

من بئرٍ منفرد إلى منظومة أنهار: هندسة الاستدامة

إن الرؤية الأشمل التي تقدمها الورشة تتجاوز علاقتنا بالمانحين الأفراد. فالواحة الحقيقية لا تعتمد على بئرٍ واحد مهما كان عميقاً، بل على منظومةٍ متكاملةٍ من الأنهار والينابيع والجداول التي تغذيها باستمرار. الذكاء الاصطناعي هنا يصبح مستشاراً استراتيجياً يساعدنا على رسم خريطة "النظام البيئي للموارد".

يمكنه تحليل بيانات الشركات المدرجة في السوق السعودية، وتقاريرها للاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، ليرشح لنا الشركاء من قطاع الأعمال الذين تتوافق أهدافهم الاستراتيجية مع برامجنا. يمكنه مسح المبادرات الحكومية وبرامج الدعم التي تقدمها الجهات المانحة الكبرى، وتنبيهنا للفرص التي تتناسب مع مشاريعنا، بل ومساعدتنا في كتابة المقترحات التي تلبي معاييرهم بدقة. إنه يحول عملية البحث عن شراكاتٍ من رحلةٍ عشوائيةٍ في بحرٍ هائج إلى رحلةٍ موجهةٍ ببوصلةٍ ذكيةٍ في مياهٍ واضحة.

في الختام، إن ما يطرحه برنامج "نبساي الثاني" ليس مجرد دورةٍ تدريبية، بل هو إعادة صياغةٍ لفلسفة العمل غير الربحي في المملكة. إنها دعوةٌ لنمزج بين دفء قلوبنا ودقة عقولنا، بين أصالة قيمنا وحداثة أدواتنا. إنها دعوةٌ لنصبح مهندسي الينابيع، أولئك القادة الذين لا ينتظرون السماء لتمطر، بل يمتلكون العلم والحكمة ليفجروا من الأرض عيوناً، فيبنون واحاتٍ لا تذبل، ويصنعون أثراً لا يزول، مساهمين بوعيٍ وبصيرة في تحقيق رؤية وطنٍ يرى في قطاعه غير الربحي شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية والازدهار.